محمد طاهر الكردي

43

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وهو كلام ظاهر لا شك في * صحته وسره غير خفي فالتاريخ هو ترجمان العصور ، ولسان الدهور ، فالأمة التي لا تاريخ لها لا قيمة لها ، ولا شك أن خير أجناس الأمم العرب ، وأفضل العرب عرب الحجاز ، وأفضل الحجاز الحرمين الشريفين ، لأن فيهما وفي أطرافهما قريش ، فليس على وجه الأرض بلدة مستقلة بدين واحد ، إلا مكة والمدينة ، فمنهما انتشر الإسلام وإليهما يأرز الإيمان ، فمكة محل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم والمدينة موضع مثواه ، وهما يمتازان على جميع البلدان والأقطار بما سنذكره إن شاء اللّه ، ولا شك أن لهما من التاريخ المجيد ما هو حافل بكل طارف وتليد ، وما من مسلم إلا وهو يفضلهما معترف وعارف ، فكم ألّف في تاريخ هاتين البلدتين الطاهرتين من العلماء الأجلاء كتبا وأسفارا ، وكم وضعوا في فضلهما ومكانتهما مؤلفات شتى حازت قبولا وإكبارا ، من سابق الأعوام والأزمان ، إلى هذا العصر والأوان . ولقد كان من أجل نعم اللّه عليّ ، وكل نعمائه عظيمة وجليلة ، أن وفقني سبحانه وتعالى لتأليف تاريخ قيم ثمين لهذه البلدة الطاهرة مهبط الوحي الأمين ، مكة المكرمة شرفها اللّه تعالى وحماها ، بعد أن جعلني من أهلها وأدخلني في حماها ، وقد سميت هذا التاريخ المبارك " التاريخ القويم لمكة وبيت اللّه الكريم " وقد ابتدأت في تأليف هذا التاريخ من شهر شعبان سنة 1375 خمس وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة ، وهي السنة التي ابتدأوا فيها بتوسعة المسجد الحرام في زماننا هذا وهي التوسعة السعودية . ومن عجيب الأمور والإشارات ، ما كنت أراه في المنام مرارا عديدة ، وذلك قبل تأليفي لهذا التاريخ بأكثر من عشر سنوات ، بأني دخلت الكعبة المشرفة ، أو طفت بها ، أو وقفت أمام نفس حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو أنني أنظر إلى ما في الكعبة من كتابات ونقوش ، أو أراني أنزل إلى جوفها تحت الأرض ، وأحيانا أرى أنني بعد طوافي بالكعبة أرجع إلى ما بين زمزم والمقام أتأمل الكعبة وما حولها ، وليلة أرى على الكعبة المعظمة كسوة جديدة ظريفة من داخلها وخارجها ، وأرى بابها قد جدد بالذهب والفضة وقد زيد في عرضها كثيرا . وهكذا كانت رؤياي في مدة السنوات المذكورة عن المسجد الحرام وعن الكعبة المشرفة والمطاف وزمزم والمقام على هيئات مختلفة وصور وأشكال متنوعة ، وكنت أتأولها خيرا وآخذ منها الفأل الحسن برضاء اللّه تعالى وتوفيقاته المتوالية ،